أحمد زكي صفوت
46
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
45 - مقام رجل من الزهاد بين يدي المنصور بينما المنصور يطوف ليلا إذ سمع قائلا يقول : اللهم إني أشكو إليك ظهور البغى والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع ، فخرج المنصور ، فجلس ناحية من المسجد ، وأرسل إلى الرجل يدعوه ، فصلّى الرجل ركعتين ، واستلم الركن . وأقبل مع الرسول ، فسلم عليه بالخلافة ، فقال المنصور : ما الذي سمعتك تذكر من ظهور البغى والفساد في الأرض ؟ وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع ؟ فو اللّه لقد حشوت مسامعى ما أرمضنى « 1 » ، قال : يا أمير المؤمنين إن أمّنتنى على نفسي ، أنبأتك بالأمور من أصولها . وإلّا احتجزت منك . واقتصرت على نفسي ، ففيها لي شاغل ، فقال : أنت آمن على نفسك فقل ، فقال : يا أمير المؤمنين إن الذي دخله الطمع ، حتى حال بينه وبين ما ظهر من البغى والفساد لأنت ، قال : ويحك ، وكيف يدخلني الطمع ، والصّفراء والبيضاء « 2 » في قبضتي ، والحلو والحامض عندي ؟ قال : وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك ؟ إن اللّه تبارك وتعالى استرعاك المسلمين وأموالهم ، فأغفلت أمورهم ، واهتممت بجمع أموالهم ، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجصّ والآجرّ . وأبوابا من الحديد . وحجبة معهم السلاح ، ثم سجنت نفسك فيها عنهم ، وبعثت عمّالك في جباية الأموال وجمعها ، وقوّيتهم بالرجال والسلاح والكراع ، وأمرت بألّا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان ، نفر سمّيتهم ، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ، ولا الجائع العاري ، ولا الضعيف الفقير ، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك ، وآثرتهم على رعيتك ، وأمرت ألا يحجبوا عنك ، تجبى الأموال وتجمعها ولا تقسمها ، قالوا : هذا
--> ( 1 ) أوجعنى وآلمني . ( 2 ) الصفراء والبيضاء : الدنانير والدراهم .